المرأة والحجاب في ظل ثقافة العولمة
التاريخ: 2017-9-27 مشاهدات: 218

بقلم: د.أمل الحسيني/جامعة الكوفة


الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على أشرفِ الأنبياءِ والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين، وبعد:


إن ظاهرة العولمة الثقافية من أهم القضايا المعاصرة التي امتد تأثيرها ليشمل قطاعات واسعة جداً من أبناء المسلمين وبناتهم.


ونظراً لتأثيرها المباشر على العقيدة الإسلامية والمبادئ والقيم الدينية المستمدة من الكتاب والسنة المطهرة، ولأن عددا كبيراً من نساءنا قد انجرفن بتياراتها، وتركن الحجاب الإسلامي الذي أراده الإسلام كرامة لهن في الدنيا والآخرة؛ لأنه يقوم بوظيفة الاحتجاج على الحضارة السلعية السائدة التي تقدس المظاهر وتدنس الحقائق؛ فقد رغبت الخوض في هذهِ المواضيع عَلِّي أُوفَق في طرح الموضوع  بما يُرضي المولى تعالى، والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل.


 


المحور الأول: الإسلام والحجاب بأقلام معاصرة


 من بين جميع الأديان والمذاهب، لا يوجد مذهب أو دين تدخّل في الشؤون الحياتية للناس كما تدخل الإسلام، إذ أن الإسلام لم يكتف في مفرداته بمجموعة من العبادات والأذكار ومجموعة أخلاقيات، وإنما قام – بالإضافة إلى بيان علاقات العباد بربهم – بتوضيح الخطوط الرئيسية للعلاقات الإنسانية وحقوق وواجبات الأفراد تجاه بعضهم البعض؛ لذا فان مسألة الانسجام مع العصر فيما يتعلق بالإسلام بمواصفاتهِ هذهِ مسألة واردة، ومما يلفت النظر أن الكثير من العلماء والكتاب الأجانب قد درسوا الإسلام من حيث قوانينه الاجتماعية والمدنية واقروا أن القوانين الإسلامية مجموعة من القوانين الراقية، وأشادوا بميزة هذا الدين لحيويتهِ وقابلية قوانينه للانسجام مع التقدم العصري.


قال برناردشو ( الكاتب الانكليزي المتحرر المعروف ): ( لقد كنتُ دائماً أكنُ غاية الاحترام لدين محمد بسبب حيويتهِ العجيبة، وفي رأيي أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يملك الاستعداد للتلاؤم ولتوجيه الحالات المتنوعة والصور الحياتية المتغيرة ولمواجهة العصور المختلفة، وإنني لأتنبأ – وان علامات هذهِ النبوءة قد ظهرت منذ الآن – أن دين محمد سيكون محل قبول أوربا غداً.


وقال أيضاً: إنّ رجال الدين في القرون الوسطى – نتيجة للجهل أو التعصب – قد رسموا لدين محمد صورة قاتمة، فقد كانوا يعتبرونه عدواً للمسيحية، لكنني قد أطلعت على أمر هذا الرجل فوجدته أعجوبة خارقة، وتوصلت إلى انه لم يكن عدواً للمسيحية بل انه يحب أن يسمى ( منقذ البشرية )، وفي رأيي انه لو تولى أمر هذا العالم اليوم لوُفِّق في حل مشكلاته بما يؤمن  السلام والسعادة التي يرنوا البشر إليها ).([i])


وكذلك فان ( المفكرين الإسلاميين يعتقدون أن في الإسلام سراً ورمزاً يمنحان هذا الدين القابلية على التكيف مع تطورات العصر ويعتقدون أن هذا الدين يتماشى مع التقدم العصري والتطور الثقافي والتغيرات الناتجة عنهما ).([ii])


وبالرغم من هذا كله إلا أن هناك دعوات بالمقابل تكن لهذا الدين العداء وتحاول أن تلبسه ثوب التخلف والرجعية، وقد أثيرت شبهات عدة حول أكثر من موضوع من موضوعاتهِ، ولعل مسألة المرأة وبالخصوص ( الحجاب ) كانت أكثر المواضيع التي أثارت الجدل حيث أن الخوض في مسالة الحجاب لم تعد أمرا جديداً، إذ يرى البعض انه كثر الكلام فيه، إذا نُظر إليه من الوهلة الأولى، ولكنه بعد الاطلاع على ما يطرح اليوم من آراء في مسألة الحجاب نرى أن النظرة سوف تتبدل، حيث انه ظهر من يقول بعدم وجوب الحجاب مستنداً في دعواه إلى القرآن، علماً أن جُلَّ من قال بهذا ممن حملوا شعار التجديد في الفكر الإسلامي، وممن دعوا إلى ضرورة قراءة الإسلام قراءة معاصرة تعيد له مجده وصدارته.


لذا نراهم عندما يتحدثون عن الحجاب يصفونه بصفة التحجر الفكري، وفهمهم هذا ناجم من عدم فهم الإسلام على حقيقتهِ، وعدم قراءة النص القرآني قراءة صحيحة؛ لذا سنحاول الوقوف على معنى الحجاب وماذا أراد الإسلام به حتى تتجلى الصورة لهؤلاء (فقهاء عولمة القيم الغربية المنحلة ) .               


والحجاب لغة: الستر، حجب الشيء يحجبهُ حجباً وحجاباً، وحَجبه: سترهُ، فيقال: امرأة محجوبة: أي سُترت بستر.([iii])


الشهيد ألمطهري يقول: ( كلمة الحجاب تعني الستر كما أنها تعني البردة والحاجب لكن استعمالها في الأعم جاء بمعنى البردة، وتدل هذه الكلمة على مفهوم الستر هنا باعتبار أن البردة وسيلة للستر، ولعلنا يمكننا القول: إن كل ستر ليس بحجاب في أصل اللغة، بل ما يُدّعى حجاباً هو الستر الذي يفصل تماماً فصل البردة عما ورائها، فيصف القرآن غروب الشمس: ﮅ ﮕ  ﮖ  ﮗﮄ )ص:32 (يعني بعد الفصل التام بينها.([iv])


ويعرفهُ اصطلاحا: بأنه ( ما تستر به المرأة بدنها حينما تتعامل مع الرجال، وان لا تخرج أمامهم مثيرة )([v]) ، وهو احد الفروض الواجبة على المرأة في شرائع معظم الطوائف والفرق الإسلامية، وعادة يسمى غطاء رأس المرأة بالحجاب في الأوساط العربية والإسلامية بدليل أن المرأة تُعد به وحدهُ محجبة، وان ظهرت مفاتن جسدها أو ارتدت البنطلون، وهناك إجماع من علماء الدين الإسلامي على وجوب الحجاب على المرأة، لكنهم اختلفوا في هيئتهِ، فمنهم من يرى أن على المرأة ستر جميع جسدها بما فيه الوجه والكفين، بينما ما عليه الأغلبية جواز كشف الوجه والكفين، ويرى دار الإفتاء المصرية: ( انه إجماع المسلمين سلفاً وخلفاً، وانه من المعلوم في الدين بالضرورة، وهذا يعد من قبيل الفرض اللازم الذي هو جزء من الدين )([vi]) ، وقد أوجبه تعالى على المرأة ( حفاظاً عليها من سُرّاق الأعراض فهي جوهرة ثمينة يهتم بها المجتمع الإسلامي ويحاول بشتى الطرق أن يجعلها مربية للأجيال  المؤمنة، فهي تعتبر نصف المجتمع، بل أكثر، لذلك يحافظ عليها الإسلام كما يحافظ صاحب الكنز والجواهر على جواهره من السُرّاق ).([vii])


وينتشر الحجاب في العديد من الدول ذات الغالبية الإسلامية عموماً مثل السعودية واليمن، ويشتمل الحجاب فيها على غطاء الوجه أو النقاب ويسمى بالزي الإسلامي، ولونه اسود بالغالب، وتليها إيران والتي يستعاض عن الحجاب بالشادور أحيانا، وينتشر حجاب النقاب في باكستان وأفغانستان ويختلف من منطقة إلى أخرى حسب عادات وتقاليد أهل تلك المنطقة، بالإضافة إلى الأنظمة الحاكمة هناك، فقد يكون في دولٍ إجباريا، وبعضها تمنعهُ، باستثناء بعض الدول التي تعتبره من باب الحرية الشخصية.


فمن الدول التي يكون فيها الحجاب إجباريا :


1- الجمهورية الإسلامية الإيرانية: تلزم القوانين منذ اندلاع الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 م على يد الإمام الخميني ( رضوان الله تعالى عليه ) مفجر هذهِ الثورة، النساء المسلمات أو غير المسلمات بالحجاب وتُواجه كل من تظهر في الأماكن العامة وهي لا ترتدي الحجاب حكماً بالسجن لفترة تتراوح بين عشرة أيام وشهرين ، أو دفع غرامة تعادل مابين 6-60 دولار، حتى ألزمت الشرطة الإيرانية أصحاب المتاجر بعدم عرض دمى العرض ( المانيكان ) دون حجاب، بينما نظام الشاه المقبور كان يمنع الحجاب.([viii])


2- المملكة العربية السعودية: تفرضه على السعوديات وغير السعوديات.


3- قطاع غزة: بعد سيطرة حركة حماس على الحكم في قطاع غزة فرضوا الحجاب في المدارس.


4- مدينة كوالا تيرينجانو بماليزيا: فرضت الحجاب على المسلمات وغير المسلمات منذ عام 2004م.


وهناك محاولات لفرضه في بعض الدول منها:


1- العراق في فترة الانفلات الأمني، حتى اضطرت المسلمات وغير المسلمات لارتدائه خوفاً من الضرب أو الخطف.([ix])


2- الكويت: حاول نواب في البرلمان الكويتي بفرض الحجاب على العضوات أو الوزيرات غير المحجبات.([x])


أما  الدول التي حظرت الحجاب:


1- تونس: أصدرت منشوراً عام 1981م في عهد الرئيس الحبيب بورقيبة يعرف بـ ( المنشور 108 ) وقد وصف هذا المنشور الحجاب بالزي الطائفي، وقد حاولوا تطبيق هذا المنشور عام 2005م في المدارس أولاً ثم الكليات، وتقاد المخالفات إلى قسم الشرطة للتحقيق معها، ثم تخرج بَعد توقيعها تعهد بعدم لبس الحجاب.([xi])


2- فرنسا: اقر البرلمان الفرنسي في 10 فبراير عام 2004م قانون يحضر ارتداء الحجاب. وقد عارضه ورفضه الكثير من الذين ران على قلوبهم، ومن هؤلاء الدكتور محمد شحرور( ([xii]الذي ذهب إلى أن القرآن لم يدعُ المرأة المسلمة إلى الحجاب، وان ما فهمه الفقهاء من الآيات القرآنية الواردة في الحجاب كان خطأً([xiii])، ويذهب إلى أن تشريع الحجاب في القرآن والسنة النبوية إنما كان تشريعاً مؤقتاً  وخاصاً بالمجتمع النبوي، وليس تشريعاً محكماً ودائماً ولازما ً وملزماً، فيعتبر أن الآية (59) من سورة الأحزاب: ﮅ ﮝ  ﮞ  ﮟ  ﮠ  ﮡ  ﮢ  ﮣ  ﮤ    ﮥ  ﮦ  ﮧﮨ  ﮩ  ﮪ  ﮫ  ﮬ  ﮭ  ﮮﮯ  ﮰ   ﮱ  ﯓ  ﯔﮄ كانت علّة الحجاب فيها تمييز النساء الحرائر عن الإماء  أثناء خروج النساء للتبرز خارج البيوت؛ لعدم وجود المراحيض في البيوت يومئذ، وبما أن مجتمعاتنا لم تعد فيها جواري تتميز عنهن الحرائر، وأصبح في البيوت مراحيض فلا مبرر للحجاب في مجتمعاتنا المعاصرة!!!.


والى ذلك ذهب الصادق النبهوم فيقول: إن الحجاب تقليد من تقاليد اليهودية التي دخلت على أهل الصحراء العربية عبر احد الكهنة العبرانيين، ومن ثم انتقلت بَعد ذلك إلى الإسلام، مثلها مثل الكثير من العادات الأخرى.([xiv])


وذهب ايضاً إلى أن المرأة المحجبة ليست امرأة ورعة، بل هي امرأة مسحورة، تعرضت لحرب نفسية رهيبة، أدت إلى شل عقلها، وتدنيس جسدها.([xv])


ورغم علمه – لأنه لا يمكن أن لا تكون هذهِ المعلومة قد أطرقت أذنه – أن المرأة في زمن الجاهلية والى ما بَعد الهجرة، أي إلى زمن نزول آية الحجاب([xvi])  لم تكن تهتم بمسألة الستر.


وهذا ما أكده الزمخشري بقولهِ: ( كانت المرأة تضرب الأرض برجلها ليتقعقع خلخالها... إلى قوله: كانت جيوبهن واسعة تبدو منها نحورهن وصدورهن وما حواليها، كن يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى مكشوفة ).([xvii])


فإذن متى أصبحت فكرة الحجاب يهودية يا صاحب اللب السقيم؟ ، وقد أشار الإمام علي ( عليه السلام ) إلى فكر أمثال هؤلاء فقال: ( لو سكت الجاهل ما اختلف الناس )([xviii]).


 ليس هذا فقط بل الذي حصل والذي ناسف له أسفا شديدا أن هذهِ النظرة للحجاب أخذت تنتشر بين الكثيرين من الكتاب والمفكرين المسلمين – وبالأحرى الذين حُسبوا على الإسلام – وقد  قاد هذه الحملة المسعورة الكاتب المصري قاسم أمين ( 1865- 1908م ) حيث أولى قضية المرأة اهتماما كبيراً، وطالب بتحررها وقد بذل جهده الجهيد في هذا المجال، فاصدر عدة كتب في هذا الموضوع تناول فيها مسألة الحجاب من الوجهتين الدينية والاجتماعية، فمن الوجه الأول يقرر مسبقاً انه لو كان في النصوص الدينية ما يتصل مباشرة بالحجاب لأحجم عن البحث؛ لأن الأوامر الإلهية يجب الإذعان لها دون بحث ومناقشة، أما من الناحية الاجتماعية فقد كان يرى أن ( الحجاب هو من العادات التي عرضت للمسلمين من جراء مخالطة بعض الأمم الأخرى، لكنهم – أي المسلمين – البسوها لباس الدين كسائر العادات الضارة التي تمكنت من الناس باسم الدين؛ لذلك لا نرى مانعاً من البحث فيها ).([xix])


وقد تابعهُ آخرون أمثال:


1- تجمعت في سنة 1915م مجموعة من مثقفي مصر أمثال لطفي السيد وطه حسين وعلي عبد الرزاق وأصدروا جريدة باسم ( السفور ).


2- في عام 1920م ألقت الكاتبة المصرية هدى شعراوي نقابها في ميناء الإسكندرية ورمت به عرض البحر.


3- في عام 1924م نزعت منوبية الورتاني حجابها أثناء إلقاءها محاضرة في تونس.


4- في عام 1965م قامت انتفاضة في البحرين احرق بها المتظاهرات العباءة السوداء.


5- في عام 1990م وأثر حرب الخليج مجموعة من السعوديات يقمن بمظاهرة يلقين بعباءاتهن تخلصاً منها.([xx]) إلى غير ذلك من الدعوات التي ما خرجت إلا بمؤامرات أمريكية – إسرائيلية على الدين، ولكن مقابل هذهِ الصرخات الكافرة ظهرت وتعالت أصوات أخرى في العالم الإسلامي فندت ما ذهب إليه ودعا له هؤلاء، منهم الكاتب الجزائري مالك بن نبي الذي يرى أن الكثيرين ممن يطالبون بتحرير المرأة أو إبعادها من المجتمع ليست أقاويلهم سوى تعبير عن نزعات جنسية لا شعورية، وقد يكون الأمر واضحاً بالنسبة لمن يطالب بتحرير المرأة، التحرير الذي يتجاوز الحدود إلى السماح بخروجها في زينة فاتنة – دعاة العولمة – ففي ذلك أرضاءً لشهواتهم وايقاضاً لغرائزهم([xxi])، وغيره كثير ممن كانت له غيرة وحمية على دينهم الحنيف، الذي ما أراد للإنسان إلا أن يكون مكرماً له قيم اعتبارية كبرى جسدها سبحانه وتعالى في قوله : ﮅ ﮏ  ﮐ        ﮑ  ﮒ  ﮄ (الإسراء: ٧٠)، وحتى قيم العرب وعاداتهم كانت تأبى هذه الظواهر غير اللائقة، ولهذا نرى الحسين ( عليه السلام ) يناديهم يوم عاشوراء ليذكرهم بعاداتهم ومبادئهم فيقول: ( كونوا أحرارا في دنياكم وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عُرباً )([xxii]).


 


المحور الثاني: العولمة – حقيقتها – غاياتها:


قال ابن خلدون في بداية مقدمتهِ ما نصه: (... لا يكفي ان تصف موج البحر، وظهور السفن، حين تريد أن تتكلم عن حياة البحر... لا بد لك أن تفهم ما في القاع... قاع البحر المليء بالغرائب، والتيارات والوحوش... وقاع السفينة حيث يجلس عبيد وملاحون إلى المجاديف أياما كاملة يدفعون بسواعدهم بضائع تحملها السفن، وثروات وركاباً... وينزفون عرقاً، وتمزق أجسامهم تحت السياط... اجل  ينبغي أن تعطيني الصورة كاملة عندما تريد أن تقنعني بأمر من الأمور )([xxiii]) .  


ولأن تحديد دقيق نسبياً لمفهوم ظاهرة ما يفترض البدء بوصفها وتتبّع العوامل الفاعلة فيها وتشخيص اتجاه حركتها وتحديد معالمها والتعرف الدقيق على النتائج والعواقب المترتبة عليها أو الناشئة عنها، إضافة إلى تتبّع تاريخ وظروف نشوئها وتطورها وتحويلها إلى واقع موضوعي ملموس، أي إلى واقع وجود ظاهرة تفرض فعلها على الفرد والمجتمع.


كذلك  هي العولمة، فان الحديث عنها لا بد أن يكون ذو جذور وان كانت هي من المصطلحات حديثة التداول والاستعمال في عالمنا المعاصر؛ لان جذورها تاريخياً يعود إلى التطور العام الذي حصل للنظام الرأسمالي، إذ تعد العولمة حلقة من حلقات تطوره التي بدأت مع ظهور الدولة القومية في القرن الثامن عشر وهيمنة القوى الأوربية على أنحاء كثيرة من العالم مع المد الاستعماري.


 تعريف العولمة في اللغة مأخوذ من التعولم، والعالمية، والعالم([xxiv]) أي: تعميم الشيء وإكسابه الصبغة العالمية وتوسيع دائرته ليشمل العالم كله ([xxv])، يقول عبد الصبور شاهين ( عضو مجمع اللغة العربية ): فأمّا العولمة مصدراً فقد جاءت توليداً من كلمة عالم، ونفترض لها فعلاً هو عولم يعولم عولمة بطريقة التوليد القياسي... وأما صيغة الفعللة التي تأتي منها العولمة فإنها تستعمل للتعبير عن مفهوم الأحداث والإضافة وهي مماثلة في هذهِ الوظيفة لصيغة التفعيل )([xxvi]).


 أما اصطلاحاً فقد كثرت الأقوال حول تعريفها حتى انك لا تجد تعريفاً جامعاً مانعاً يحوي جميع التعريفات؛ وذلك لغموض مفهومها، واختلاف وجهة نظر الباحثين، فنجد للاقتصاديين تعريف، وللسياسيين تعريف، وللاجتماعيين تعريف وهكذا... ومع ذلك نجد أنفسنا في موقف يستدعي اختيار تعريفٍ قد يكون – من وجهة نظرنا المتواضعة – عاماً وشاملاً وهو: ( أنها تعني اصطباغ عالم الأرض بصبغة واحدة شاملة لجميع أقوامها وكل من يعيش فيها وتوحيد أنشطتها الاقتصادية والاجتماعية والفكرية من غير اعتبار؛ لاختلاف الأديان والثقافات والجنسيات والأعراق، وهي ترجمة للمصطلح الانجليزي (  global libation) وبعضهم يترجمها بالكونية([xxvii])، وبعضهم يترجمه بالكوكبة، وبعضهم بالشوملة([xxviii]) إلا انه في الآونة الأخيرة اشتهر بين الباحثين مصطلح العولمة وأصبح  أكثر الترجمات شيوعاً بين أهل السياسة والاقتصاد والإعلام، وهي بهذا تكون بعيدة عن الإنتاج الفكري والعلمي والأكاديمي في البداية في العقد الأخير؛ وذلك قبل أن يكتسب المصطلح دلالات استرتيجية وثقافية مهمة من خلال تطورات واقعية عديدة في العالم منذ أوائل التسعينات.


وقد استخدم هذا المصطلح  لوصف كل العمليات التي تكتسب العلاقات الاجتماعية نوعاً من عدم الفصل ( سقوط الحدود ) وتلاشي المسافة، حيث تجري الحياة في العالم كمكان واحد – قرية واحدة  صغيرة – ومن ثم فالعلاقات الاجتماعية التي لا تحصى عدداً أصبحت أكثر اتصالاً وأكثر تنظيما على أساس تزايد سرعة ومعدل تفاعل البشر وتأثرهم ببعضهم البعض، وفي الواقع يعبر مصطلح العولمة عن تطورين هامين هما: التحديث modernization )  ) والاعتماد المتبادل ( inter – dependence  ) ويرتكز هذا المفهوم على التقدم الهائل المتزايد على كافة الأصعدة في الساحة الدولية المعاصرة، وبناء على ذلك، فالمفهوم يحتوي على مساحة من التناقض بين وجهة النظر الليبرالية الداعية للاحتفال بالاعتماد المتبادل بين الدول، مقابل وجهة النظر الراديكالية التي لا ترى في ذلك إلا مزيداً من السيطرة العالمية للرأسمالية والنظام الاقتصادي المرتكز على حرية السوق.


وقد اقترنت – العولمة – في أذهان البعض منا بالجانب الاقتصادي، وسُوّقت بغلاف التقدم، والرقي والرفاه الاجتماعي، وألقيت باعتبارها القدر والحتمية في طبيعة العلاقات الدولية والاجتماعية في ظل التطورات التقنية، وتكنولوجيا الإنتاج، وان كانت لا تقتصر على الجانب الاقتصادي في فعالياتها ونشاطاتها وأهدافها، إلا أنها تتعداه لتشمل الجوانب الأخرى من الحياة الإنسانية الثقافية والسياسية والاجتماعية.


وتعتبر من التحديات الكبرى للأمة الإسلامية، لا بل للإنسانية وحتى للمروجين لها؛ لأنهم في الواقع ضحايا لهذا التحدي.


 وتتجلى خطورتها بأنها لا تمارس نشاطاتها عبر الأفكار والمقولات، وإنما تعمل من خلال تهيئة الظروف والأوضاع بحيث يندفع الناس في سبيل تحقيق العولمة في المجتمع، وهذا وجه الصعوبة في التعامل معها.


وقد شغلت اهتمام الكل واحتلت مساحة كبيرة من عناية المحافل العلمية، ولهذهِ الأهمية فقد انقسم العالم بين مؤيد لها ومناصر، وبين مشكك بمصداقيتها، ورافض لها. فالمناصر يعتبرها أعلى مراحل التقدم، والحل الوحيد للمشاكل المعاصرة في العالم، أما المشكك بها فينظر إلى شعاراتها وواقعها، فيشكك في مصداقيتها وحسن نواياها.


 أما الرافض لها: فان قراءته لها بأنها مفردة الخطاب الاستعماري الجديد وصياغة القوى الاستكبارية التي تتحرك باتجاه الهيمنة؛ لذلك عرفها بأنها عبارة ( عن اتجاه دولي أحادي القطب؛ لفرض نموذج اقتصادي وسياسي وثقافي معين على جميع أنحاء العالم ودوله، متجاوزة حدود سيادة الدولة وحقها الخاص في تنظيم شؤونها )([xxix]). حتى قال احدهم: ( بينما تبدو العولمة وكأنها ( مرحلة ) مهددة تعسفية أمريكية الصنع بكل ما يترتب على ذلك من غطرسة وهيمنة، ونلاحظ أن هناك من يميز بين الإجمالية كحالة وإحساس، وبين العولمة كعملية ديناميكية مولدة للحالات والأحاسيس ).


والمقصود بـ ( الإجمالية ) هو ذلك الشعور بالتهجين والملغوم بالتنافر الذي لا شكل فيه ولا انسجام تركيبي، وللقارئ ( عينة ) معبرة عن هذهِ الحالة حيث يقول احد ( المدمنين على الانترنيت ): ( إن وفاة الأميرة ديانا يقدم لنا أفضل تفسير لما هو العولمة: هناك أميرة انجليزية لها عشيق مصري، وتركب سيارة ألمانية، ذات محرك هولندي، يسوقها سائق بلجيكي ثمل بالويسكي الاسكتلندي، واصطدمت السيارة في نفق فرنسي، بعد أن اصطادها المصورون الايطاليون على دراجات نارية يابانية، وكانت الأميرة تحت الرعاية الصحية لأحد الأطباء الأمريكيين يصف لها أدوية برازيلية، وهذهِ الرسالة وضعها شاب روماني يستعمل حاسوباً من أنتاج شركة ال - آي - بي - أم. تم تركيبه في تايوان له شاشة كوريه، صنع بيد عاملة من بنغلادش في مصنع سنغافورة، ثم تم شحنها على الباخرة في ميناء هندي ونقلها براً سائقون مكسيكيون إلى يوغسلافيا ومن هناك وصلت إلى رومانيا، وباعها لي في النهاية تاجر يهودي )([xxx]).


وقد أرادوا منها – العولمة – أن يكون العالم عبارة عن قرية صغيرة أي اجتياح للثقافات الإنسانية ومحاولة لمسحها من صفحة الوجود لصالح الثقافة الأمريكية المنتصرة، وهذا يمثل صراع الحضارات، ومحاولة إلغاء الأخر وسيادة الفوضى الأمريكية التي تسميها أمريكا بـ (حضارة ) وتريد فرضها على العالم وتفتخر بأنها انتصرت على الثقافات الأخرى، وقد ظن ذلك الرئيس الأمريكي جورج بوش بعد حرب الخليج الثانية حيث قال: ( إن مبادئنا هي التي انتصرت واتجاهها في العالم هو الذي انتصر، وإنما نريد أن نحل مشاكل العالم )([xxxi]).  


أما أخطارها فيمكننا أن نؤشر عليها ونحددها إذا علمنا أن ( العولمة الثقافية القائمة على العقائدية ( الإيديولوجية ) المادية العلمانية أمر خطير بالمجتمع الإنساني بعامة، والمجتمع الإسلامي بخاصة، وفي وسع المرء أن يرى بسهولة أن الخطر الذي تشكله العولمة على المجتمع الإسلامي لا يكمن أصلا في عملية العولمة ذاتها، ويأتي الخطر من المحاولة الخفية والمنسقة للتقليل من فعالية الإسلام في سعيه إلى إنشاء مجتمع يتصف بالاستقامة  والعدالة يسير وفق مشيئة الله... ولما كانت العولمة تعرف بأنها مجتمع واحد ذو ثقافة واحدة فإنها تعني فرض ثقافة واحدة على المجتمعات كافة  في شتى بقاع الأرض، وتميزت هذهِ الثقافة الجديدة بأنها ثقافة استهلاكية استُبدلت فيها أخلاقيات المنافع والأرباح بأخلاقيات الأنبياء، أنها ثقافة نزعة مادية وفردية واستهلاكية وعلمانية وعصرانية، ومن الطبيعي أن يرفض الناس الذين يهمهم معتقدهم الديني وممارساتهم الدينية هذه الثقافة ويحاربونها إذا اقتضى الأمر ذلك ).([xxxii])


 وبصفتنا كمسلمين يجب علينا اليقظة والحذر من أهداف هؤلاء ومخططاتهم العدوانية الرامية إلى القضاء على إسلامنا الحنيف وقتل عاداتنا وتقاليدنا العريقة التي إن دلت على شيء فإنما تدل على رقي حضارتنا الإسلامية لاسيما ونحن نعلم أن العولمة ( وليدة تعليم إبليس عليه اللعنة حينما خدع أبينا آدم ( عليه السلام ) بتسميته الشهيرة لشجرة منعه الله أن يقربها ﮅ ﮟ  ﮠ  ﮡ   ﮢﮣ  ﮄ ( طه: 120)


كأنه ليس هناك يوم البعث والجزاء والحساب والجنة والنار، وتفرع منها داء الكفر والاستكبار والعلو والغلو، وناضل في سبيله نمرود وفرعون وعاد وثمود، ثم جددتها أمريكا وحلفاؤها بالعلمانية ومذاهبها المتنوعة وايديولجيتها المختلفة  الحديثة حتى تحاول سيطرة الفضاء الخارجي في السماء ببناء الصواريخ المتطورة كما بنى فرعون الصرح لرؤية اله موسى ( عليه السلام ) لكنها بنظام جديد للسيطرة على الدول كلها ).([xxxiii])


من هنا كانت اللبنة الأساسية في بناء الأسرة، ألا وهي المرأة، واحدة ممن لم يكونوا بمنأى عن تأثيرات العولمة التي تريد فرض أنماط يخضع لها العالم في جميع المستويات، مستخدمة في ذلك مخابر التفكير وسائر المؤسسات المالية والسياسية والإعلامية المختلفة، فكان هذا المصطلح – أي العولمة – وبالاً عليها بصورة خاصة، فقد أرادوا أن يخرجوها من دينها ويذهبوا بها بعيداً، فعقدوا المؤتمرات التي تناولت موضوع المرأة والأسرة؛ الغرض منها القضاء على هويتها الإسلامية، وإذا ما حاولنا تحليل أدبيات هذه المؤتمرات يتضح جلياً استهداف الأسرة المسلمة عموماً، والمرأة المسلمة خصوصاً، وذلك بالنيل من أسسها وقيمها، فكان من أهم تلك المؤتمرات، مؤتمرات دولية رعتها الأمم المتحدة، أي أن هيئة الأمم المتحدة استُخدِمت كغطاء ظاهر يختفي وراءه الصانع الأساسي للعولمة الثقافية وهو الطرف الأمريكي؛ بغية الإيحاء للشعوب بأن ما يصدر من قرارات عن هذه المؤتمرات إنما هو مطلب دولي عالمي وليس مطلب قطب آحادي واحد. وقد ناقشت هذه المؤتمرات قضايا الأسرة والمرأة فكان أبرزها:


1- اليوم العالمي للشباب:


وهو تجمع حاشد للتنصير في الفترة من 15- 20 أغسطس عام 2000م ألقى فيه البابا يوحنا بولس الثاني كلمة في حوالي مليون شاب وفتاة قدموا من معظم بلدان العالم جاء فيها: ( ليكن عندك طموح لتصبح قديساً كما أن عيسى قديس، يا شباب العالم في كل قارة لا تخشوا أن تصبحوا قديسي هذه الألفية ).([xxxiv])


وهو بهذا يشير إلى كلمة وردت في الإنجيل هي: فاذهبوا وتَلمِذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس.([xxxv])


وهذه دعوة صريحة إلى العولمة الدينية الثقافية على طريقة الكنيسة النصرانية.


2- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان :


على الرغم من إقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الإعلان عام 1948م في باريس إلا إن تطبيقه بقي راجعا لما تراه كل دولة صالحاً لها من بنوده الثلاثين، وكان في ذلك سعة للدول الإسلامية التي ترى في جل بنود هذا الإعلان لحقوق الإنسان التي جاءت به الشريعة الإسلامية والتي تعد أهم مقومات الثقافة الإسلامية، إلا أن رياح العولمة الثقافية هبت على هذا الميثاق لاستغلاله في عام 1992م حيث طلب الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب تعديل ميثاق الأمم المتحدة بحيث تصبح حقوق الإنسان من اختصاص الأمم المتحدة وليس كل دولة على حدة فوافقت جميع دول قمة أعضاء مجلس الأمن ما عدا الصين( ([xxxvi]وهكذا بدأت الولايات المتحدة تضغط باسم الأمم المتحدة باتجاه تفعيل تطبيق الميثاق بما  يتضمنه من مبادئ وقيم تتصل بالثقافة بشكل مباشر.


3- المؤتمر الدولي للسكان:


الذي انعقد بالقاهرة في شهر سبتمبر عام 1994م وتركز البحث فيه حول الربط بين زيادة السكان وبين الفقر واستحالة التنمية وان الحد من النمو السكاني هو الطريق الأمثل للتنمية وفي هذا السياق رأى المؤتمر ما يلي:


أ- إباحة إنهاء الحمل غير المرغوب فيه ،وتخفيف عواقب الإجهاض .


ب- أباحة الممارسة الجنسية خارج مؤسسة الزواج ،وحق المراهقين والمراهقات في سرية العلاقة الجنسية وعدم انتهاكها من الأسرة .


جـ- ممارسة الجنس والإنجاب حرية شخصية وليست مسؤولية جماعية( ([xxxvii]والبعد الثقافي واضح في هذه البنود من خلال أباحة الانحراف العقائدي والأخلاقي وتسويغه في المجتمعات المختلفة.


4-  المؤتمر العالمي الرابع للمرأة:


الذي انعقد في بكين، وقد استُغل المؤتمر لترسيخ نظرة الثقافة المعاصرة للمرأة وما يزعم لها من حقوق مخالفة لفطرتها ودينها وثقافتها التي تنتمي إليها في كل المجتمعات البشرية ما عدا المجتمع الغربي المعاصر، وكان من أبرز ما جاء في هذا المؤتمر من توجيهات ما يلي:


1- التأكيد على التعليم المختلط للجنسين.


2- التشديد على الحرية الجنسية للمرأة وإتاحة موانع الحمل وتشريع الإجهاض.


3-  استبدال وصف الذكورة والأنوثة في تكوين الأسرة بوصف النوع ( جندر) الذي يتناول الجنس البشري عامة، وهي خطوة في طريق أباحة تكوين الأسرة المثلية المكونة من رجلين أو من امرأتين([xxxviii]) واللافت للنظر أن الدول التي قاطعت هذا المؤتمر صُنّفت ضمن قائمة الدول المتخلفة الراديكالية الرجعية وتم وصفها بممارسة الإرهاب الفكري وحرمان المرأة من حقوقها، وربما تعرضت نتيجة لذلك إلى حصار فكري وضغط متواصل للقبول بما يحمله ذلك المؤتمر من ثقافة عولمية جديدة يراد لها أن تسود.


وهذه المؤتمرات وكذا الكثير من البرامج الإعلامية التي أنتجها الدول الغربية، استهدفت النيل من أسس الأسرة وقيمها النبيلة وفرض القيم الغربية بدلها للقضاء على الإسلام الحنيف لذا لم يكن غريباً ذلك الخطاب الذي ألقاه الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك بقصر الاليزيه قبل عدة أعوام والذي دعا فيه إلى إصدار قانون يحظر ارتداء الحجاب والرموز الدينية الواضحة في المدارس العامة، وأماكن العمل العامة ومؤسسات الدولة فهو متفق تماماً مع الروح الغربية في تعاملها مع الإسلام، وقد رفضت الدولة الفرنسية الحجاب باعتباره رمزاً لمنظومة قيمية مغايرة إن لم تكن في زعمهم معادية.


فلقد أصبح الحجاب عبئاً على حضارة لا تعرف الطهر والفضيلة والعفاف، فالفاسدون لا يطيقون رؤية الطهر ولقد قال قديماً قوم لوط: ﮅ ﭖ  ﭗ  ﭘ  ﭙ  ﭚ   ﭛ  ﭜ  ﭝﭞ  ﭟ  ﭠ  ﭡﮄ ( النمل: ٥٦) والغرب اليوم يقول: اخرجوا المسلمين من بلادكم لأنهم يرفضون العري والتهتك.


 ولقد قال المؤرخ الفرنسي ( ارنست رينان ) ( 1823- 1893م ): إن الشرط الأساسي لانتشار الحضارة الأوربية هو تحطيم الحضارة الإسلامية، وتلك هي الحرب الدائمة التي لن تضع أوزارها إلا بعد أن يموت بؤساً آخر حفيد لإسماعيل، أو يرد على عقبيه إلى أعماق الصحراء؛ لأن الإسلام هو اكبر نفي لأوربا، ستفتح أوربا العالم، وتنشر دينها ).([xxxix])


هذه العولمة التي جاءوا بها إلى بلاد المسلمين بها بطنوا أهدافهم الحقيقة، والتي ظهرت من فلتات ألسنتهم، فهذا جورج بوش الابن – وان اعتبرها في حينها زلة لسان – حين أعلن عن أطلاق حرب صليبية جديدة ضد ما اسماه بالإرهاب، وسواء كانت زلة لسان أم أمرا مقصودا فان لها بعداً عقدياً كامناً في نفوسهم ظهر في خطاب عالمي داعم لعولمة الثقافة([xl]) وان كان ( جون اشكروفت ) وزير العدل الأمريكي أكثر صراحة في التعبير عن هذا البعد حين قال في مقابلة صحفية: الإسلام ديانة يطالبك فيها الرب بان ترسل ولدك ليموت من اجله، والمسيحية هي عقيدة يرسل فيها الرب ولده ليموت من أجلك([xli])، وهذا بعينه ما قالته ( كوندا ليزا رايز ) مستشارة الرئيس الأمريكي للأمن القومي: إن المبادئ الأمريكية ينبغي ان تشمل الإسلام ولا تقف عند حدود الدول الإسلامية ).([xlii])


وهذا الأمر يعرفه كل مسلم متدبر لقوله تعالى: ﮅ ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘ  ﭙﭚ  ﮄ( البقرة: ١٢٠)


وقوله تعالى: ﮅ ﮅ      ﮆ  ﮇ  ﮈ  ﮉ  ﮊ  ﮋ   ﮌ  ﮍ    ﮎ  ﮏ  ﮐ       ﮑ  ﮄ ( الممتحنة: ٢)


 


 


المحور الثالث: قضايا المرأة وثقافة العولمة


وكما أسلفنا سابقاً فان قضايا المرأة تعد من أهم القضايا التي لا تزال تشكل ميداناً للنقاش الساخن والمعارك الدامية، والسجالات الدائمة، وهي تدور أحيانا بين المنظور الإسلامي والمنظور الغربي للمرأة، وأحيانا أخرى، داخل الدائرة الإسلامية بين منظورين مختلفين، ويمثل احدهما ثقافة التجديد والإصلاح ويمثل الآخر ثقافة الجمود والتحجر، واهم معركة تدور بين المنظورين – الإسلامي والغربي – حول المرأة هو ما يتعلق بقضية المرأة كتحريرها، وقضايا الجنس المبتذل ومساواة الرجل بالمرأة، متجاهلين القضايا الرئيسية في حياتها، فالثقافة الغربية ترى أن من حق المرأة أن تمارس أي شيء وكما يحلو لها من دون أي ضوابط شرعية وأخلاقية، معتبرين ذلك داخل في نطاق ( الحرية الشخصية ).


أما الثقافة الإسلامية فأنها ترى أن لا حرية لها مع فعل الحرام، وان حرية المرأة متاحة ضمن ( المباح ) لها شرعاً وأخلاقا.([xliii])


 أما المعارك التي تدور في الدائرة الإسلامية الواحدة، فان الخلاف فيها يتركز حول قراءة النص الديني، وما يستتبعه من فهم واستنباط للأحكام الشرعية الخاصة بالمرأة، ومن ثم بلورة المفاهيم المتعلقة بقضايا المرأة وشؤونها، على أن كل منظومة من هذهِ المنظومات تحاول أن تقدم نفسها على أنها صاحبة الحل الأفضل لتقدم المرأة ورقيها والحفاظ على شخصيتها الإنسانية. فالغرب وبفضل تقدمه العلمي حاول ويحاول إقناع المرأة المسلمة بفضل سبقه العلمي والتكنولوجي والصناعي والاقتصادي بأنه الوحيد القادر على أن يقدم للإنسانية الأنموذج الأفضل والأرقى لتقدم المرأة وبناء شخصيتها، ذلك من خلال مؤتمراتهِ الدولية – وقد أسلفنا الإشارة إلى ذلك – وأعلامه الموجه، وخصوصاً قنواتهِ الفضائية المرئية والمسموعة، والتي نستطيع القول: أنها استطاعت أن تحقق بعضا من مآربها في أحيان، وفشلت في أحيان أخرى في الوصول إلى أهدافها وغاياتها الرامية إلى وضع رؤية ( العولمة ) عند المرأة موضع التطبيق، وهذا السلوك دفع رجالات الإسلام أصحاب الغيرة والحمية الإسلامية إلى الاهتمام بقضايا المرأة المسلمة في كل مكان من العالم خصوصاً العالمين العربي والإسلامي.


على أن ما يمليه الواقع اليوم على المرأة المسلمة هي أن تكون واعية تستوعب كل ما يدور من حولها؛ كي تستطيع الحفاظ على شخصيتها الإسلامية في ظل ضغوط دولية، وخطط مدروسة لتغريبها ومسح هويتها الإسلامية.


 


المرأة والثقافة الاستهلاكية في ظل العولمة:


الثقافة كما عرّفها مؤتمر المكسيك الدولي الذي عقدته اليونسكو بأنها: ( مجموع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعاً بعينه، أو فئة اجتماعية بعينها، وأنها تشمل الفنون والآداب وطريق الحياة والإنتاج الاقتصادي، كما يشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات )([xliv]) ، وتتوقف نوعية التفكير وسلوك أفراد المجتمع على نوع الثقافة التي يمتلكها أبناء ذلك المجتمع، وبالتالي مدى تلاؤم تلك الثقافة مع عادات وتقاليد وأفكار وقناعات اجتماعية سائدة.


 ويتشكل الاستهلاك في الأدبيات النيولبرالية عصب الاقتصاد المعولم، وقد تم التحول بشكل جذري إلى عولمة ثقافة الاستهلاك وعولمة المنتوج. فبعد أن كانت المواد المسوقة تخضع للحاجات الضرورية لضمان الحياة البشرية، تحول الإنتاج الضخم للشركات العملاقة نحو الكماليات، وتم اعتبارها في صلب الحياة البشرية، وتحولت تصورات الناس من خلال ثقافة الاستهلاك إلى فكرة مفادها أن معنى ( الحياة يوجد في الأشياء التي تملكها، فان تستهلك فهذا معناه انك حي تماماً ).([xlv])


والاستهلاك هو ثقافة العولمة، من خلاله تستطيع الشركات الضخمة تصريف منتوجاتها بشكل أسهل، دون الاحتياج إلى التغلغل الاستعماري، وتستطيع استخلاص أعداد كبيرة من المستهلكين فقط لشراء منتوج يحمل علامة تجارية معينة حيث يلاحظ في البلدان الغنية والفقيرة على السواء إصرار الفقراء على شراء ماركات معينة لكي يُزوّروا احساساً بالهوية .


ويمكن تقسيم الثقافات إلى:


أ- الثقافات المنتجة: وهي تلك الثقافة التي تسود مجتمع ما، تسهم في صناعة الوعي وزيادة الفاعلية، وخلق الإبداع والابتكار، وينتشر هذا النوع من الثقافة عندما يكون هناك وعي بالمواطنة مبثوثة بين أبناء المجتمع المسلم، أي الشعور بالانتماء الوطني والديني، وهذا لا يحصل إلا بنشر مبادئ وأخلاقيات إسلامية يكتسبها المواطن من مدارسه وفي سنين عمره الأولى حتى تترسخ في ذهنهِ منذ الصغر.


ب- الثقافة المستهلكة: وهي تلك الثقافة التي تهدف إلى الاهتمام بالكماليات والترويج للمفاهيم الاستهلاكية.


 وهذا النوع من الثقافة إذا انتشرت في مجتمع ما فإنها بلا شك تزيد من الاهتمامات بالكماليات، وتستطيع الثقافة بصورة عامة ولا يتوقف خطرها عند شراء السلع والمنتجات الكمالية، بل يتعدى ذلك أن يُتصور بمرور الزمن أن تلك السلع الاستهلاكية تحمل مضامين ثقافية وتعمل على تبديل العادات والتقاليد الحسنة إلى عادات وتقاليد جديدة قد لا تنسجم مع قيمنا وثقافتنا الإسلامية.


 من هنا صار لزاماً على الجميع رجالاً ونساءً أن يكونوا أكثر وعياً بان لا ينجروا وراء الاستهلاك والإسراف ووضع ميزانية محدودة الإنفاق الشهري، والحد من عادات الاستهلاك غير المشروعة، وعليهم أن يعوا أن هذهِ الشكليات هدفها تسطيح عقيدتهم – المرأة بالخصوص – والتي من ابرز ملامحها أتباع الموضة واللهث وراء كل ما هو جديد من أزياء وصبغات الشعر وغير ذلك.


من هنا يرى علماء الاجتماع أنه يجب اقتراح محور للتوعية بأهمية كسب المال من وجوهه المشروعة، وإنفاقه في وجوهه المشروعة كذلك من خلال مواد التربية الإسلامية وكذلك التوعية بأهمية الاقتصاد في الإنفاق من خلال مواد التربية الإسلامية ايضاً، ثم محور لبث الوعي الصحي والربط بينه وبين الإنفاق والاستهلاك والإشارة إلى أن معظم الأمراض مردها إلى ثقافة الاستهلاك الخاطئ.([xlvi])


وهذه الثقافة تعمل جاهدة إلى تركيز اهتمام المرأة بالقضايا الشكلية بدلاً من القضايا الجوهرية متناسية البعد الروحي للمرأة وتحويل جسدها إلى عامل جذب باعتبار انه من انجح الطرق للتسويق. من هنا صار لزاماً علينا الوقوف على أهم مظاهر وسمات الثقافة الاستهلاكية وهي:


1- سمة صناعة الموضة.


2- سمة الاستنساخ الثقافي.


3-  سمة صناعة الجسد.


وسنحاول الوقوف على كل واحدة من تلك السمات مبينين مخاطرها على المجتمع إذا ما تفشت في مجتمع مسلم – لا سمح الله:


1- سمة صناعة الموضة:


اتهمت المرأة بصورة عامة، والمرأة المسلمة بصورة خاصة بأنشغالها بعالم زينتها والسعي وراء الموضة، حيث تعتبر الموضة والاهتمام بالشكل إحدى مظاهر مرحلة الذات الإنسانية لإبراز معطيات خاصة قد تراها البعض منهن ضرورية لحياتها، وقد تعني للبعض العبور للشخصية إلى الآخرين بشكل متميز.


ولكن هذهِ السلوكيات من حيث المبالغة أو الاهتمام الطبيعي ترتبط بمستوى وعي المرأة وثقافتها ومستوى الثقة بالذات شئنا أم أبينا، وبغض النظر عن عمر المرأة وشبابها حيث للخصوصية العمرية ملامحها، تأخذ الموضة والأزياء خير مافي حياة المرأة بمستوياتها كافة، وان كان على درجات متباينة من جهة ثانية.([xlvii])


وقد أصبحت سمة صناعة الموضة من أنشط الصناعات تسويقاً وربحًا، إذ تنفق ملايين الدولارات سنوياً على استهلاك الموضة والزينة في مختلف بقاع المعمورة.


حتى الأدوات المنزلية دخلت دائرة الموضة وبشكل يومي وكبير، وهنا نجد أن المرأة المسلمة عرضة لإغراء السوق أكثر من غيرها، إذ أننا نرى أن البيت العربي مليء بالأدوات والثياب والمساحيق أكثر بكثير مما يحتاجه المرء، ففي اليوم الواحد يشاهد الناس حول العالم (21) ألف إعلان تلفزيوني، تعمل على تحريك النقص لدى المشاهد والإلحاح عليه بالحاجة الشديدة لسلع لا يحتاجها أصلاً.


 وهذا ما يجعل الإنسان  يفكر باستمرار في الثراء من اجل هذهِ الرفاهية التي تروج لها الإعلانات بدلا من إدخال النقود لقضايا أساسية في حياته وأكثر أهمية مثل التعليم على سبيل المثال، فمثلا ً تستخدم شركات الأزياء والإكسسوارات أساليب شتى ووسائل متنوعة للترويج لمنتجاتها الاستهلاكية، حتى صار هناك خبراء متخصصون بالموضة وعالم الجمال، وقد عُدت الأسواق الإسلامية – وللأسف الشديد – وبالخصوص السوق الخليجية خير مستهلك لهذهِ المواد، فقد أظهرت دراسة اقتصادية أن أنفاق المستهلك الخليجي على العطور ومستحضرات التجميل هو من أعلى معدلات الاستهلاك في العالم، وقد قدرت حجم واردات مجلس التعاون الخليجي منها بنحو 817 مليون دولار سنة 1995م وأشارت الدراسة التي أعدها مصرف الإمارات الصناعي إلى أن دول الخليج استوردت عام 1995م، بنحو 190 ألف طن من العطور ومواد التجميل إلى جانب أنتاجها المحلي البالغ 65 ألف طن، قيمة واردات المملكة العربية السعودية منها 250 مليون دولار والإمارات العربية المتحدة 190 مليون دولار ولاحظت الدراسة تزايد استهلاك العطور ومستحضرات التجميل بصورة مطردة مع ارتفاع مستويات المعيشة، واتساع القاعدة الاجتماعية للفئات ذات الدخل المتوسط في دول مجلس التعاون الخليجي.([xlviii])  


 وان كان هذا أنموذجا واحداً، من نماذج كثيرة، تشير إلى ارتفاع مستوى الاستهلاك في المجتمع الخليجي نتيجة لارتفاع مستوى المعيشة وتوافر السيولة.


وهذا إن دل على شيء إنما يدل على أن هذهِ الدول قد خُدشت في عقيدتها، فانجرفت تلهث خلف تيار العولمة، واشد ما نخشى عليهم في هذا المجال طمس ثقافتهم المحلية بما تحمله من قيم وأخلاق وعقائد، وذلك لان العقيدة الدينية هي الأساس الذي تقوم عليه كل ثقافة من الثقافات المعاصرة والقديمة، والدين هو أول مقوم من مقومات الثقافة.([xlix])  


هذه هي أهم أهداف العولمة الثقافية التي تركز – في ما تركز – على الروح الاستهلاكية العالمية، واختزال المرأة في بعدها المادي الاستهلاكي وتجاهل البعد الروحي من حياتها، بل والعمل على تدميره؛ لذا على المرأة المسلمة أن تعي أن التكوين البشري قائم على روح وجسد؛ لذا يجب خلق التوازن بينهما، وعدم الاستغراق في الجانب المادي؛ لأن جمال الأخلاق، وجمال الروح، وجمال السلوك، وجمال العقل أهم من جمال الشكل والمظهر، وعليها أن تعي مخاطر الثقافة الاستهلاكية واللهث وراء تقليعات الموضة ومستحضرات التجميل، والحذر من التعود على الإسراف والتبذير والبذخ، فالإسلام لا يمانع من أن تهتم المرأة بجمالها وزينتها، ولكن في الحدود الطبيعية.


2ـ سمة الاستنساخ الثقافي:


الاستنساخ الثقافي: مصطلح حديث إنظم إلى المصطلحات الثقافية ويقصد به ( إعادة إنتاج أفكار وأساليب سابقة تناولها آخرون )([l]) وهذه السمة أهم السمات التي تتكأ عليها العولمة، وغايتها استنساخ الرؤية الغربية – وبخاصة الأمريكية – في مختلف القضايا الثقافية، ومحاولة توزيع هذهِ النسخ المستنسخة إلى مختلف أنحاء العالم؛ لتطبيقها، بغض النظر عما إذا كانت هذهِ الثقافة المعولمة صالحة لكل مجتمع وكل حضارة، أم أنها ضارة غير مفيدة، ( فالحضارة الغربية – المعاصرة مثلاً – هي حضارة مادية؛ لأن القيم التي تحركها هي قيم مادية بحتة... في حين أن الحضارات التي بلغت شأواً عظيماً في مضمار التقدم العلمي ( الحضاري – المدني ) كالحضارة المصرية أو البابلية أو الإسلامية، كانت حضارات تحكمها القيم المعنوية ( والروحية ) والأخلاقية بغض النظر عن حقانية هذه القيم أو عدم ذلك ).([li])


وهذا يعني إلغاء الخصوصية، والدخول في عالم العولمة، والاندماج الكلي في ( الآخر ) بحيث يكون تفكيره هو تفكيرنا، ومفاهيمه هي مفاهيمنا، وقيمه هي قيمنا، وثقافته هي ثقافتنا، وسلوكه هو سلوكنا... انه الذوبان الكلي والكامل في ( ثقافة العولمة ) والقبول بعملية الاستنساخ الثقافي من دون أية شروط.


 أما في ما يخص المرأة فان المقصود به استنساخ الأنموذج الغربي للمرأة في عالمنا العربي الإسلامي، بحيث تتحول المرأة المسلمة إلى امرأة مستنسخة